محمد بيومي مهران
134
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
بإبراهيم والذين معه ، إلا من استغفاره ، قال تعالى : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ، إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ « 1 » . وحكمة تحريم الاستغفار للمشركين أن اللّه تعالى لا يغفر الشرك أبدا ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ ، ومن ثم فطلب الغفران للمشركين معدوم الفائدة ، ويوهم أمرا بالملإ ، وهو أنه يجوز شرعا أن يغفره ، ولما كان هذا الخطر يعارضه استغفار سيدنا إبراهيم لأبيه ، وقد كان من الكافرين ، وأحكام الأصول لا نسخر فيها ، فيشعر استغفاره ذلك بجوازه ببيّن اللّه عذره في ذلك الاستغفار بأنه استغفر لوالده بناء على وعد من الوالد أن يتوب ، فلما تبيّن له أنه عدو للّه ولم يتب ، تبرأ منه ، فليس ما فعله دليلا للجواز ، لأنه إنما يكون دليلا إذا استغفر له ، وهو يعلم أنه كافر ، فالحكم بأن اللّه لا يغفر الشرك وأن طلبه غير جائز لم يتغير ، فلا يجوز طلبه ، ولا ينبغي للنبي والذين آمنوا أن يطلبوه ، ولو لأقاربهم « 2 » . ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أمرين ، يختلف القرآن فيهما عن التوراة ، الواحد : أن أبا إبراهيم لم يهاجر أبدا مع النبي الكريم ، فضلا عن عدم الإيمان به ، والآخر : أن الهجرة إنما كانت « إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين » ، وليست هذه الأرض بحال من الأحوال « حران » ( حاران ) ،
--> ( 1 ) سورة الممتحنة : آية 4 ، وانظر : تفسير الفخر الرازي 29 / 300 - 301 ، تفسير روح المعاني 28 / 69 - 73 ، تفسير الطبري 28 / 62 - 63 ، تفسير الطبرسي 28 / 47 - 49 ، تفسير الزمخشري 4 / 90 ، تفسير القاسمي 16 / 5765 - 5766 ، تفسير القرطبي ص 6535 ، تفسير ابن كثير 4 / 543 - 54 . ( 2 ) محمد حسني : المرجع السابق ص .